المقريزي
297
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
وكان أبو العبّاس - رحمه اللّه - حسن السياسة ، مجتهدا في العمارة ، ناهضا بأعباء الدّولة ، فكانت الأوطان في أيّامه عامرة ، وجباياتها دارّة ، والرّعايا في نعمة غامرة ، والملوك الدّانية والقاصية تخشى بأسه وترغب في إحسانه . وبلغ من جميل سيرته وبديع سياسته أن اجتمع على مائدة واحدة بين يدي سلطانه رسول ملك مصر ، ورسول ملك الحبشة ورسول صاحب إفريقية ، ورسول متملّك تلمسان ، ورسول ابن الأحمر صاحب غرناطة « 1 » من الأندلس ، وعدّة رسل من ملوك الفرنج ، وجماعة من أمراء السّوس « 2 » ومزاورة « 3 » جبال مرّاكش ، وكان له ولولده أبي زيد عبد الرحمن في الجود والإفضال أخبار لولا شهرتها لما صدّقت ، لغرابتها وبعدها عن سير ملوك زمانه ، فمنها أنه أنشد يوما في مجلسه وابنه معه فيه رجل قول حمّاد بن عجرد « 4 » : شيئان لو بكت الدّماء عليهما * عيناي حتّى يأذنا بذهاب لم يبلغا المعشار من حقّيهما * فقد الشّباب وفرقة الأحباب فقال أبو العبّاس : ترى يمكن أن يكون لهذين البيتين ثالث ؟ فقال بعض الحاضرين : نعم يمكن ، وأخذ رقعة وكتب البيتين وزاد عليهما :
--> ( 1 ) غرناطة : تقدم التعريف بها ص 143 واتخذها بنو الأحمر عاصمة لهم من سنة 1235 م حتى سقطت وخرجت من يد المسلمين سنة 1492 م . ( 2 ) تقع بلاد السوس في المغرب العربي ، وهي سوس أقصى وسوس أدنى . والسوس بلد بالمغرب كانت الروم تسميه قمونية ، وقيل : السوس بالمغرب كورة مدينتها طنجة ، والسوس الأقصى كورة أخرى مدينتها طرقلة ( الموسوعة المغربية ملحق 1 ص 129 ) . ( 3 ) بنو مزوارات بطن من صنهاجة ( الموسوعة المغربية - الملحق 1 ص 195 ) . ( 4 ) حماد عجرد : هو حماد بن عمر بن يونس بن كليب السوائي ، أبو عمرو ، المعروف بعجرد : شاعر من الموالي ، ومن أهل الكوفة ، ومن مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية ولم يشتهر إلا في الدولة العباسية ، نادم الوليد بن يزيد الأموي ، وقدم بغداد في أيام المهدي ، وكانت بينه وبين بشار بن برد أهاج فاحشة . قتل غيلة بالأهواز سنة 261 ه / 778 م ( تاريخ بغداد 8 / 148 والشعر والشعراء 754 ، والأغاني 13 / 70 - 98 ) .